أزمة ال 1958


كانت أول مناسبة للواء فؤاد شهاب لتولّي سدّة رئاسة الجمهورية، عام 1952. في تلك السنة، دفعت المعارضة الشعبية الواسعة الرئيس بشاره الخوري الى تقديم استقالته، فعيّن اللواء شهاب، وكان حينها قائداً للجيش، رئيساً لحكومة إنتقالية مهمتها الإشراف على انتخاب رئيس جديد. عرض حينها عدد من السياسيين على شهاب، ان يكون هو المرشح الوحيد. رفض اللواء مجرّد التفكير بهكذا طرح، إخلاصاً منه للتربية العسكرية الديمقراطية التي آمن بها بعمق: فواجبه الأسمى كقائد للجيش، أن يحمي نظام لبنان الديمقراطي وأن يرفض أي تدخل عسكري في السياسة. كان مدركاً تماماً بألا يسمح أن يُجرّ لبنان لأوضاع مماثلة لتلك السائدة في البلدان العربية المجاورة، حيث إستولى ضباط من الجيش على السلطة، تبعتها سلسلة إنقلابات عسكرية متتالية.

في فترة لم تتعدّ الأيام الأربعة من مهمته كرئيس للوزراء، أمّن شهاب عملية انتخاب ديمقراطية لرئيس جديد: الرئيس كميل شمعون. وعاد بعدها على رأس مؤسسة الجيش.

في صيف 1958، ادّى الانقسام الخطير للبنانيين بين مؤيد للأميركيين (برئاسة شمعون) ومؤيد للناصرية (غالبية القادة المسلمين)، الى إشتباكات مسلحة في الشوارع، عرّضت الوطن ووحدته للخطر. كما في العام 1952، رفض شهاب، وهو لا يزال قائداً للجيش، السماح بأي تورط أو تدخل للجيش في هذا الصراع. كان يعلم جيداً أن خطر الانقسام قد يتسلل الى المؤسسة العسكرية. حمى الجيش القصر الجمهوري، ومنع أياً من الأطراف المتصارعة من السيطرة على المراكز الرسمية والإستراتيجية المهمة، ووقف على الحياد محافظاً على وحدة المؤسسة العسكرية ومصداقيتها.

مع زيادة الأوضاع تأزماً وقرب نهاية ولاية شمعون، ظهر شهاب كأملٍ وحيدٍ لإعادة السلم لبلدٍ يواجه خطر التفكك والزوال. كان محط ثقة لدى الجميع لوطنيته وعدم تحيّزه، فإستحوذ على دعم من الأميركيين وعبد الناصر على السواء لتبوء سدّة الرئاسة وتم طرحه كمرشح توافقي لخلافة شمعون. في البداية، رفض شهاب قبول المنصب، للأسباب نفسها التي جعلته يرفضه قبل ست سنوات؛ لكن حين إقتنع أن دوره قد يحول دون إنهيار وحدة البلد، عاد فقبل هذه المهمة.

في 31 تمّوز 1958، إنتخبه البرلمان اللبناني رئيساً للبلاد لمدة ست سنوات تبدأ عند إنتهاء الولاية الدستورية للرئيس شمعون.

إعادة إحياء الوحدة الوطنية


عندما إستلم الرئيس شهاب زمام الرئاسة في 23 أيلول 1958، كانت البلاد لا تزال تعاني انقساماً حاداً بين المعسكر المؤيد للعروبة، الداعم للتقارب مع مصر عبد الناصر، والمعسكر المناوىء لها، الداعم للتقارب من الغرب. نجح شهاب سريعاً في فرض نفسه كحَكَم بين الأطراف المتصارعة (خاصة بعد “الثورة المضادة” التي قام بها الشارع المسيحي في تشرين الأول 1958). وقد ساعده في ذلك الاحترام والثقة التي حظي بهما خلال قيادته الحكيمة والحيادية للجيش لسنين عديدة. شكّل الرئيس شهاب حكومة وحدة وطنية توافقية في 14 تشرين الأول 1958، هي الحكومة الرباعية الشهيرة التي جمعت السياسيين المتصارعين الأساسيين، فضمّت رشيد كرامي رئيساً والوزراء حسين العوَيني، ريمون إدّه وبيار الجميّل. عاشت هذه الحكومة حتى 14 أيّار 1960 بعد ان جرى تعديلها وتوسيعها في تشرين الأول 1959. قبيل الإنتخابات النيابية المقررة في حزيران 1960 شكّل شهاب حكومة حيادية برئاسة احمد الداعوق لتشرف على الإنتخابات.

في السياسة الداخلية، أحيى الرئيس شهاب مجدداً روح الميثاق الوطني لعام 1943 (“الدستور غير المكتوب”)، الذي يرتكز على إنتاج توافق وطني عند كل محطة سياسية، وعلى مشاركة الجميع في السلطة والقرار.

أما على الصعيد الدولي، فقد أبقى شهاب على علاقات وديّة ثابتة مع العالم الغربي – خاصة مع فرنسا ديغول  والفاتيكان – وثبّت في المقابل هوية لبنان العربية الكاملة كعضو فاعل في جامعة الدول العربية. رفض أن يكون لبنان طرفاً في أي نزاع عربي عربي، وشجّع دوماً التضامن والأخوّة بين جميع البلدان العربية.

شكّلت الجمهورية العربية المتحدة التي ضمت مصر وسوريا برئاسة جمال عبد الناصر، واقعاً مربكاً لشهاب. كان عبد الناصر قائداً عربياً كبيراً يتمتّع بشخصية فذّة، تكنُّ له أكثرية الجمهور المسلم اللبناني عاطفة خاصة، في حين ترتاب منه أكثرية من المسيحيين. نجح شهاب في طمأنة عبد الناصر بأن لا يسمح بأية حركة ضدّ الجمهورية العربية المتحدة تنطلق من الأراضي اللبنانية، وفي المقابل نال منه تعهداً واضحاً باحترام سيادة وحرية واستقلال لبنان، وتفهّم خصوصياته. تُرجم هذا التفاهم  بقمة “الخيمة” الشهيرة  بين رئيسي الدولتين التي انعقدت في آذار 1959 على الحدود اللبنانية السورية.

استقالة تمّوز 1960


كانت خطوة إجراء انتخابات نيابية جديدة على أسسٍ عادلة، خطوة ضرورية ارادها الرئيس شهاب لتضميد جراح ما عرِف بأزمة ال 1958 وتعزيز الاستقرار. في نيسان 1960، أقر المجلس النيابي قانوناً انتخابياً جديداً متوازناً يمهد الطريق لتمثيل نيابي صحيح. أخذ هذا القانون، بعين الاعتبار كل خصائص واحتياجات مختلف الشرائح السياسية والطائفية اللبنانية.
(في العام 2009، وبعد حوالي 50 سنة، كانت إسس هذا القانون ركيزة لقانون انتخابي “عادل”، رضي به جميع الفرقاء في حينه!)في أيار 1960، شُكّلت حكومة غير سياسية للإشراف على الانتخابات، وفي حزيران جرت الانتخابات بهدوء.في 20 تموز 1960، اي بعَيد تلك الانتخابات، رأى الرئيس شهاب أن اوضاع البلاد قد استقرّت وقد تمّ تمهيد الطريق أمام الإصلاحات، فقدّم إستقالته ودعا لإنتخابات رئاسية جديدة. إقتنع أنه قد أتمّ واجبه الإنقاذي حين كانت البلاد تواجه وضعاً طارئاً خطيراً عام 1958، وبات من الواجب الآن تسليم الأمانة الى خلفٍ من المدنيين.
(في سنواتها الأخيرة، كشفت زوجة الرئيس شهاب لعددٍ من المقربين سراً حملته زمناً طويلاً: حين وافق الرئيس عام 1958 قبول سدّة الرئاسة على مضض، أعرب لها عن نيّته التنحي عند عودة الاستقرار إلى البلاد، إخلاصاً منه لمبدأ حماية نظام لبنان الديمقراطي من تدخل العسكريين في السياسة. وكان قد منح نفسه سنتين لإنجاز هذه المهمة!)بعد يوم طويل من المناقشات المكثّفة, وتجمّع النواب في منزل شهاب في جونيه، نجح هؤلاء في إقناعه بالبقاء في منصبه. عندها قرر أن يكرّس ما تبقى من ولايته لقيادة مشاريع التنمية والإصلاح وتحديث الدولة.عام 1961، قام الحزب السوري القومي الاجتماعي بمحاولة انقلاب عسكري أحبطها الجيش اللبناني. منعاً لحدوث محاولات مماثلة مستقبلاً، عزّز شهاب مخابرات الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، ساعياً ايضاً للحدّ من التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية.

قناعات شهاب في ما يتعلق بالدولة


خلال خدمته العسكرية في الجيش، عايش شهاب الظروف الاقتصادية الصعبة وأسلوب الحياة البدائي التي يعاني منها بعض ابناء بلده (خاصة في عكار والبقاع والجنوب). كانت طفولته المتواضعة وإيمانه المسيحي وثقافته الديمقراطية المعززّة بنشأته في كنف المؤسسة العسكرية الفرنسية، مدرسة القيَم والمبادىء العالية، قد رسّخت في نفسه النظرة الإنسانية في مقاربة المسائل الحياتية. من هنا تكوّنت قناعته بوجوب مقاربة الحياة العامة من خلال واقعها الاجتماعي.أدرك الرئيس شهاب جيداً من تجاربه الشخصية ضمن المجتمع اللبناني، أن العقبة الأصعب التي تقف في طريق بناء مؤسسات عامة محترمة قادرة على توفير الأمن والازدهار، وحماية الحقوق والفرص المتكافئة والكرامة للمواطنين، إنما هي العقلية المتوارثة منذ الحقبة العثمانية لدى اللبنانيين، التي تقضي بإعتبار الزعماء الإقطاعيين والطائفيين كمرجع يؤمّن الاحتياجات والحقوق بدلاً عن الدولة.

رأى شهاب أن الحد من الولاء الطائفي والأقطاعي وتعزيز الإنتماء الوطني، يأتي اولاً بتأمين الدولة لحاجيات المواطنين كاملة وحماية حقوقهم ضمن مؤسسات عامة فعّالة وعادلة. “لنزودهم أولاً بدولة مؤسسات وخدمات يتساوى فيها الجميع، وسوف يشدّهم ذلك تدريجياً للشعور بالإنتماء لهوية وطنية وحيدة”. تلك كانت نظرة الرئيس شهاب. وبعد أن كرّس العامين الأولين من ولايته لإعادة السلم الأهلي وتأمين الاستقرار، ركّز نشاطه لبناء هذه الدولة كما ارادها.

خلال الفترة الثانية من ولايته (1961 – 1964)، حافظ شهاب على نفس التوازن السياسي في تشكيل الحكومات الوزارية المتتالية التي تمثلت فيها دوماً كل الفئات السياسية؛ هذا مع حرصه على إدخال بعض الوجوه الشابة والكفوءة الى حلبة المسؤولية السياسية العامة، أمثال الياس سركيس وفؤاد بطرس وغيرهما…

وقد ألّف صائب سلام حكومتين متتاليتين من آب 1960 حتى تشرين الأول 1961؛ ثم ترأس رشيد كرامي حكومة إستمرت من تشرين الأول 1961 حتى شباط 1964؛ وكانت الحكومة الأخيرة برئاسة حسين العويني (من شباط لغاية تشرين الأول 1964).

فترة مزدهرة للبنان

شهدت ولاية شهاب فترة إستقرار سياسي وأمني في لبنان، مع بعض المناوشات المحدودة على الحدود مع “إسرائيل”. إستتب الهدوء على الحدود اللبنانية – السورية مما أمن حركة تجارية مزدهرة مع سوريا وباقي الدول العربية. فبإستثناء محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الحزب القومي السوري في العام 1961، كان الوضع الأمني هادئاً ومُطمئناً، مما سمح لورشات الإصلاح ومشاريع التنمية الشاملة المتكاملة بالإنطلاق بزخم كبير. وقد شجّعت تلك الأجواء الاستثمارات من قبل الشركات الأجنبية، وعمّ الازدهار كافة القطاعات. تقدّم الاقتصاد اللبناني الى الأمام وفرض لبنان نفسه كمركز للأعمال والسياحة في العالم العربي، وكهمزة وصل تجارية بين الشرق والغرب.

بعثة "ايرفد"

في العام 1959، كلّف الرئيس شهاب الأب لوبريه من مؤسسة “إيرفد” (معهد الأبحاث والتدريب بهدف التنمية) إجراء دراسات استقصائية ومسح شامل لجميع القدرات الطبيعية والبشرية والاقتصادية والاجتماعية على كافة الأراضي اللبنانية، وإقتراح خطط ومشاريع وحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية القائمة.كان الأب لوبريه (كاهن فرنسي ورجل اقتصاد) مدير مؤسسة “إيرفد”، وهي مؤسسة رائدة عالمياً إعتمدتها منظمة الأونيسكو والفاتيكان لإجراء دراسات للتنمية في بلدان العالم الثالث. إختيارهكذا مؤسسة عالمية، جعل الدراسات ومشاريع الإصلاح خارج سلطة تأثير أصحاب المصالح الطائفية التقليدية.

أكّدت التقارير والتوصيات المفصّلة التي قدمتها بعثة “إيرفد” في العام 1961 ما كان قد إستشفه الرئيس شهاب بأن وراء النزاعات والمشاكل السياسية والطائفية في لبنان، تكمُن مشاكل اجتماعية واقتصادية خطيرة؛ وإن الازدهار الظاهر في العاصمة بيروت، يخفي تخلفاً وفقراً مرعبين في مناطق أخرى، خاصةً البقاع والهرمل وعكار والجنوب، التي تفتقر حتى للبنية التحتية الأساسية مثل الكهرباء والماء والطرقات… كان المزارعون والمواطنون القاطنين في المناطق الريفية المهمَلة ينتقلون إلى ضواحي بيروت بحثاً عن دخل أفضل، ما خلق “حزاماً من البؤس” حول المدينة. تمّ تشخيص فجوات اجتماعية واقتصادية كبيرة ضمن المجتمع وبين المناطق، خاصة على مستوى الدخل القومي.

طلب الرئيس شهاب من البعثة مواصلة عملها وتقديم حلول إضافية لمعالجة المشاكل ومواطِن الضعف التي جرى تشخيصها، وكرّس ما تبقى من ولايته للمباشرة في تنفيد وإنجاز اكبر عدد من المشاريع الإنمائية في المجال الاجتماعي والاقتصادي وذلك في كافة المناطق اللبنانية، وفي إنجاز إصلاحات إدارية أساسية في هيكلية الدولة.

الإنجازات الإصلاحية والتنموية للعهد الشهابي

اسلوب الرئيس شهاب لتحقيق التغيير هو إتباع خطوات تدريجية لا ثورية. كان يعلم أنه أذا فرضت تغييرات سريعة وجذرية في بلد مثل لبنان، قد يعبّد ذلك الطريق لردود فعل معاكسة تظهر عاجلاً أم آجلاً فتعيد الأمور الى الوراء. وكان يعلم أن تغييراً عميقاً يتطلب وقتاً ليعتاد عليه المجتمع، وليستوعب المواطن مبادئه بعد الإختبار ولمس الفوائد.

نستعرض فيما يلي أهم المشاريع والإصلاحات التي نفذت أو تمّ البدء بتنفيذها خلال عهد الرئيس شهاب:

 

على الصعيد الإداري:

عانت الإدارة من الأمور التالية: الفساد، تبعية الموظفين للزعامات الطائفية والأقطاعية، المحسوبية في التعيينات وفي الخدمات المقدمة، إنعدام الكفاءة، رداءة الخدمات المقدمة للمواطن، وجود تجهيزات بدائية.

لمعالجة هذه الحالة، أنشأ هيئة التفتيش المركزي في بداية العهد، مهمتها رصد ومراقبة عمل موظفي الدولة وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين. تبع ذلك إنشاء مجلس الخدمة المدنية الذي نظّم شروط التوظيف، والمناقلات، وترقية الموظفين حسب معايير الجدارة ففرض المؤهلات المطلوبة، وامتحانات الدخول، وإستبدل المحسوبية السياسية المنتشرة على نطاق واسع بالكفاءة المهنية. كذلك، أنشأ المعهد الوطني للإدارة لتأمين التدريب لموظفي الدولة، وتعزيز دراستهم وكفاءتهم. كما أنشئَت تعاونية موظفي الدولة .

وتم إنشاء ديوان المحاسبة لمراقبة الجانبين المالي والقانوني للإجراءات العامة والقرارات المقترحة.

ووضع قانون للبلديات, جديد، أسست بموجبه 380 بلدية جديدة في مختلف المناطق، وتوسعت صلاحيات محافظي المناطق للتقليل من مركزية الخدمات الإدارية.

على الصعيد القضائي، أعيد تنظيم المجلس الأعلى للقضاء، مجلس شورى الدولة، ومعهد الدراسات القضائية..

كان إيمان شهاب بالقيم الديمقراطية وحرية الصحافة عميقاً. لمواجهة ضعف مناعة الإعلام الخاص أمام التدخل الخارجي، أعيد تنظيم وزارة الإعلام بهدف تعزيز وسائل الإعلام الرسمية.

كذلك، أعيد تنظيم وزارة التصميم لتلبي احتياجات مشاريع التنمية والإصلاحات المختلفة.

على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي

كما ورد سابقاً، اعتبر الرئيس شهاب أن التنمية الاجتماعية هي العنصر الأهم لتعزيز الإنتماء الوطني وتحسين مستوى عيش المواطنين. كان الهدف خلق عدالة اجتماعية من خلال تنمية متوازية ومتكاملة على نطاق الوطن.

عام 1959، أنشأ مكتب التخطيط والإنماء الاجتماعية ، تبعه بعد حين المجلس الوطني للتخطيط والإنماء . في العام 1962، تمّ اعتماد أول خطة وطنية عامة للإنماء وتشكيل العديد من اللجان والهيئات المختصة وإعادة تنظيم لجان وهيئات أخرى لتعزيز الحداثة ومختلف المشاريع والخطط الإنمائية التي شملت مجالات الاقتصاد، التمويل، المصارف، التعليم، الزراعة، الصناعة، البناء، السياحة، الصحة، الرعاية الاجتماعية، الشرطة والإدارة. بدأ العمل بـالمجلس الوطني للبحوث العلمية ، الذي جمع أفضل العلماء والإختصاصيين والباحثين في البلاد؛ وتمّ إعطاؤه، إسوة بالبلدان الأوروبية، دوراً أساسياً في المشورة المهنية في كل الدراسات التحضيرية.

وأنشأ مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى تماشياً مع المجلس المماثل القائم في فرنسا؛ وكانت أولى المشاريع تزويد المناطق المهملة والنائية ببنية تحتية أساسية، تبعها الإنشاءات الكبرى من طرقات وجسور. فتم تزويد حوالي 1150 بلدة بالماء، والكهرباء، والطرقات، وبناء المدارس. كما قام المجلس بتنفيذ مشاريع كبرى تفيد القطاع الصناعي. (تضاعف عدد العاملين في قطاع الصناعة ثلاث مرات بين العام 1958 والعام 1964). وتمّ إنشاء مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى لمدينة بيروت .

في بداية عهده، رفع الحد الأدنى للأجور بشكل لافت ومدروس (من 94 ليرة لبنانية إلى 125 ليرة لبنانية) واعتمدت آلية لتعديله عند الحاجة. وصدر قانون عمل الأجانب لتنظيم اوضاع اليد العاملة الأجنبية وحماية العمال المحليين.

إفتتحت المدارس، والمراكز الصحية والاجتماعية في المناطق فأمّنت الخدمات الاجتماعية والتدريب لسكان الريف بغية دعم النشاطات الحِرَفية واليدوية. تم ايضاً تأمين التدريبات والتوعية الزراعية للمزارعين، وتمّ إنشاء مكتب الفاكهة، ومكتب القمح والشمندر السكريلتزويد المزارعين بالدعم التقني، ومساعدتهم في التعليب والتسويق ومراقبة النوعية العالمية والتصدير. صدر قانون التعاونيات لتشجيع التضامن بينها ومشاركة المزارعين للنفقات والتوفير. (زادت أرقام صادرات لبنان ثلاثة أضعاف بين عامي 1961 و1965).

أعطي التعليم اهتماماً أساسياً، لاسيما في المناطق النائية. بين العام 1959 والعام 1970، ارتفع عدد الطلاب في الجنوب والبقاع من 64 ألف إلى 225 ألف طالب. صدر قانون تنظيم التعليم العالي ، وتمّ إنشاء مديرية الرياضة والشباب. جرى توسيع نطاقالجامعة اللبنانية بإفتتاح فروع في الاختصاصات التالية: القانون، العلوم السياسية، الآداب، العلوم والدراسات الاجتماعية.

عملاً بتوصيات بعثة “إيرفد”، تمّ إقرار الأولوية لتشجيع السياحة اللبنانية وأُنشىء المجلس الوطني للسياحة؛ فأعيد تأهيل وتجديد المراكز السياحية كمغارة جعيتا، والحفريات الاثرية في صيدا وجبيل وصور وعنجر وطرابلس، كما تمّ بناء محطات استراحة قرب هذه المواقع، ومواقع اخرى هامة مثل قلعة بعلبك. وفتحت مكاتب سياحية في العديد من المدن الأوروبية، العربية، والأميركية. (ارتفع عدد الفنادق في البلاد من 245 فندق في العام 1960، إلى 339 في العام 1970.

كان إنشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (تمّت محاربته بشدّة من بعض كبار أرباب العمل) إنجازاً هاماً أدى إلى توفير ضمانة مالية واستقرار لدى العاملين، إذ زوّدهم بحق الحصول على تعويضات عند نهاية الخدمة والتقاعد، وأمن التغطية الصحية. تمّ أيضا إنشاء مديرية الإسكان.

إنجاز رئيسي آخر كان قانون النقد والتسليف وإنشاء مصرف لبنان المركزي لتنظيم القطاعات المصرفية والمالية (كانت السلطة المصرفية لا تزال بيد “مصرف لبنان وسوريا” المنشأ في ايام الإنتداب الفرنسي). واجه هذان المشروعان انتقادات عنيفة من بعض كبار رجال الأعمال بحجة أنهما سوف يهددان الاقتصاد الحر والسريّة المصرفية ويمهدان لتدخل حكومي شبيه بما هي الحال في الأنظمة بالإشتراكية. لم يكترث الرئيس شهاب لتلك الحملات وواظب على إعطاء أولوية عالية لهذين المشروعين وأشرف على تنفيذهما شخصياً.

في المجال البيئي، بدأ العمل ب الـمشروع الأخضر، وأنجز تنفيذ مشروع الليطاني وسد القرعون. قدم المشروع الأخضر الإرشادات الفنية للمزارعين والقروض الطويلة الأمد. فتح طرقات جديدة (بلغت 113 كلم) وخصّ مشاريع الرَي بإهتمام أولي (بناء 650 خزاناً) ووزّع عدداً كبيراً من الأشتال والبذور، كما نفّذت حملات تشجير ضخمة ومشاريع زراعية شملت إستصلاح عشرات الآلاف من الهكتارات.

هدف قانون البناء الجديد و قانون التنظيم المدني الى تنظيم قطاع البناء والتخطيط العمراني وانشاء الملاجىء وحماية الشواطئ البحرية وبناء الموانىء الصغيرة للصيادين على طول الساحل وحماية المناطق الخضراء من التشويه والتدمير.

واخيراً، جرى توسيع مرفأي صيدا وطرابلس، وإنهاء بناء الحوض الثالث في مرفأ بيروت والمباشرة في بناء مرفأ جونيه. وأنجزت اتوسترادات الزوق-فاريّا في كسروان وبكفيا-القليعات بين المتن وكسروان، وبوشر بإنشاء الطرق الجبلية والطرق الرابطة بين الساحل والبقاع.