1902-1921

ولد فؤاد شهاب في 19 آذار 1902 في بلدة غزير الكسروانية في جبل لبنان، من عائلة مارونية. هوالإبن البكر للأمير عبدالله شهاب والشيخة بديعة حبيش. تحدّرت عائلته من أصول نبيلة – فجَدّ جدّه كان الأخ الأكبر للأمير بشير الثاني الكبير، حاكم جبل لبنان من العام 1788 إلى العام 1840. في العام 1907، وبسبب الفقر، غادر الأمير عبدالله البلاد سعياً وراء فرص عمل في الخارج، إسوة بالعديد من اللبنانيين. بعد فترة وجيزة، إنقطعت الأخبار عنه ويعتقد أنه قضى في السفينة التي كانت تقلّه من مرسيليا إلى أميركا.

عاش فؤاد وأخويه الأصغرين فريد وشكيب في كنف والدتهم وأخوالهم في جونيه. في العام 1916، ونظراً للضائقة المادية، إضطر فؤاد إبن الأربعة عشر عاماً الى ترك المدرسة والعمل في سراي جونيه ليساعد في إعالة العائلة.

في العام 1919، في أواخر الحرب العالمية الثانية، إنضمّ الى صفوف الجيش الفرنسي للخدمة العسكرية لعام واحد- ذلك قبل إعلان الانتداب على لبنان في العام 1920.

1921-1946

إلتحق الأمير فؤاد شهاب بالمدرسة العسكرية الفرنسية في دمشق في كانون الأول 1921. ساعد إنتماؤه الى عائلة أمراء لقبوله في المدرسة الحربية، تبعاً لتقليد عسكري فرنسي عريق تمّ تسويقه وتطبيقه على الرعايا اللبنانيين. وفي 20 تموز 1923، تخرج من المدرسة العسكرية برتبة ملازم.

عام 1926، تزوّج من روز رينيه بواتيو (1904 – 1992)، إبنة ضابط فرنسي كان يعمل في لبنان. عاشا معاً بإنسجام تام لكنهما لم يرزقا بالاولاد.

عام 1929، رُقيَ إلى رتبة نقيب، وعيّن قائداً لثكنة راشيا في العام 1930. بعدها تابع دورات عسكرية في فرنسا وتخرّج من “المدرسة الحربية العليا” في باريس.

عام 1937، رُقيَ إلى مرتبة مقدّم وخدم في عدة مراكز عسكرية مرموقة في “قوات الشرق الخاصة” التابعة للجيش الفرنسي.

عام 1942، عندما أصبحت القوات الفرنسية في لبنان تحت إمرة “الحكومة الفرنسية الحرة” بقيادة الجنرال شارل ديغول، عيّن شهاب قائداً للفرقة اللبنانية التابعة للـ”القوات الفرنسية الحرة في الشرق” والتي أصبحت النواة المستقبلية للجيش اللبناني.

عام 1944، رُقيَ الى رتبة عقيد وكلّف بمهمة تنظيم جميع القوات العسكرية اللبنانية. في العام 1946، لدى نيل لبنان إستقلاله، أصبحت هذه القوات تشكل رسمياً الجيش اللبناني، وتم إختيار شهاب قائداً أعلى لهذا الجيش بعد أن رُقيَ الى رتبة زعيم.

عام 1949، أصبح أول ضابط لبناني ينال رتبة لواء.

1946-1958

بين العام 1946 والعام 1958، كرّس شهاب نفسه لبناء وتركيز مؤسسة الجيش اللبناني على إسس عالية من الإنضباط، والتنظيم الفعال، والإنتماء الوطني والقِيَم الأخلاقية. فنظّم ثم عزّز تدريجياً على أسس حديثة اسلحة المشاة والمدفعية والمدرعات والهندسة والإتصالات، ثم أنشأ سلاح الجو وسلاح البحرية وأجهزة عديدة. كما بنى ثكنات عسكرية جديدة في جميع أرجاء الوطن، ورفع مستوى التحصيل في المدرسة الحربية، وأرسل الضباط الشباب إلى الأكاديميات العسكرية الفرنسية والإنكليزية لزيادة خبراتهم وثقافتهم العسكرية.

قاد اللواء شهاب الجيش لمدة ثلاث عشرة سنة، مع ولايتَي الرئيس بشاره الخوري (1946 – 1952) و الرئيس كميل شمعون (1952 – 1958).

في العام 1952، برزت معارضة قوية طالبت الرئيس بشاره الخوري بالإستقالة بعد أن إنتخب لولاية ثانية. رفض شهاب أن يتورط الجيش في هذه المواجهة السياسية وأن يتدخل لصالح أو ضد أي من الأطراف المتنازعة. عندما أجبر بشاره الخوري على الإستقالة، عيّن اللواء شهاب رئيساً لحكومة إنتقالية مهمتها تنظيم وتأمين انتخاب رئيس جديد. لم يعر شهاب آذاناً صاغية للمساعي التي عُرضت عليه لتبوّء سدّة الرئاسة، وذلك بسبب قناعته بوجوب إبقاء الجيش بعيداً عن السياسة؛ وعمد فوراَ على تنفيذ مهمته الطارئة فبعد أربعة أيام، انتخب كميل شمعون خلفاً لبشاره الخوري.

في تشرين الثاني 1956، أوكل الرئيس شمعون للواء شهاب وزارة الدفاع إضافة إلى مسؤولياته كقائد للجيش.الاّ ان شهاب إستقال من منصبه الوزاري بعد أربعة أشهر، مفضلاً التركيز على واجباته العسكرية، بعيداً عن عالم السياسة.

في نهاية ولاية شمعون، وبعد النزاع الحاد في مسألة قناة السويس بين مصر عبد الناصر والعالم الغربي، وقع إنقسام سياسي حاد بين اللبنانيين: معسكر بقيادة شمعون يؤيد الأميركيين، ومعسكر مؤيد للعرب يجمع أكثرية السياسيين والقادة المسلمين، الذين نظّموا حركة تمرّد قوية تعارض تجديد الرئاسة لشمعون. عرفت هذه الحقبة بأزمة ال 58.

بدأت إشتباكات مسلحة في الشوارع، ورفض شهاب، كما في العام 1952، ان يتدخل الجيش في هذا الصراع، لا سيما أن التدخلات الأجنبية كانت قد اصبحت جليّة. قام الجيش بمنع أنصار المعارضة والحكومة على السواء من احتلال المواقع ذات الأهمية الإستراتيجية كالمطارات والإذاعات والمباني الحكومية، فحافظ الجيش على حياده ووحدته ومصداقيته، ولم يتأثر بالانقسام السياسي الشعبي الحاد.

1958-1964

عندما إشتدّت الأزمة ومع سقوط المَلَكيّة في العراق بإنقلاب دموي، وجّه الرئيس شمعون طلباً إلى الولايات المتحدة الأميركية يدعوها فيه الى التدخل عسكرياً في لبنان لحماية نظامه. كانت ولاية شمعون قد أشرفت على الانتهاء وبدا مستقبل لبنان المنقسِم في مهب الرياح. ظهرت الحاجة الى رئيس وفاقي وقوي لإنقاذ البلاد وإعادة الهدوء والسلم الأهلي. حظي فؤاد شهاب برضا الأميركيين وعبد الناصر على السواء، وبذلا معاً مجهوداً لإقناعه بقبول المهمة كمرشح توافقي. كان بشخصه محط ثقة كبيرة من الجميع، خاصةً المسلمين لنزاهته وإستقامته. إنتخبه البرلمان اللبناني في 31 تمّوز لولاية رئاسية مدتها ست سنوات.

خلال أول سنتين من عهده، جهد شهاب لإعادة اللحمة والهدوء. إكتسب ثقة كافة الأطراف لتفهّمه مخاوف وحاجات كل منها. ألـّف حكومات توافقية شاركت فيها جميع العناصر السياسية في البلاد، وإتّبع مسلك الاعتدال متعاوناً بعناية ومرونة مع المجموعات الطائفية المختلفة، فنجح بمهمته وأعاد الثقة والإستقرار.

في العام 1960، بعد عامين من ولايته، وبعد إجراء الانتخابات النيابية في حزيران من ذلك العام، رأى شهاب أن البلاد قد إستقرت وعادت اليها الحياة الديموقاطية الطبيعية، فقدم إستقالته. كان مقتنعاً أنه قد أتمّ واجبه تجاه بلاده حين واجهت وضعاً طارئاً، وقد حان الوقت لإعادة تسليم أمانة الرئاسة الى السياسيين، خاصة انه كان قد مهّد الطريق لإجراء الإصلاحات المرجوّة. فاجاْ قرار الإستقالة غير المتوقّع الجميع ، فتداعى السياسيون وأعضاء البرلمان الى منزل الرئيس في جونيه وأقنعوه بعد جهد بالبقاء في منصبه. عندها، قرّر تكريس ما تبقى من الولاية الرئاسية لتحديث الدولة وإجراء اصلاحات ادارية واجتماعية والشروع بمشاريع إنمائية.

في العام 1961، قمع الجيش محاولة إنقلاب عسكري قام بها الحزب القومي السوري الاجتماعي. بعد هذا الحدث، عزّز الرئيس شهاب أجهزة الإستخبارات والأمن، بهدف إستباق اية محاولات مشابهة والتصدي للتدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية.

فرض شخص الرئيس شهاب احتراماً عميقاً نظراً لصدقه وإستقامته، وكان حكمه عملية توازن دقيقة للمحافظة على المساواة بين المواطنين المسيحيين والمسلمين. سلك درب التحاور والإعتدال مقروناً بعلاقات عربية ودولية متوازنة وبإنجاز المشاريع الإصلاحية في كافة القطاعات والسعي لتأمين عدالة إجتماعية. وقد عرف هذا الأسلوب فيما بعد بالنهج الشهابي او الشهابية.

وصف العهد الشهابي بعهد المشاريع الإصلاحية الشاملة، وبالقوانين العديدة التي صدرت، وبإنشاء الأجهزة الإدارية الحديثة، وتأمين الخدمات العامة لكافة أرجاء لبنان كالبنى التحتية والطرقات وإيصال الكهرباء والمياه والتعليم والرعاية الصحيّة، خاصة الى المناطق النائية.

عرفت سني ولاية الرئيس شهاب حقبة من الازدهار الاقتصادي والبحبوحة والأمن والتنمية الاجتماعية. الاّ أن ذلك أدخله في نهاية المطاف في صراع مع الإقطاعية السياسية التقليدية ومع العصبيات الطائفية، التي شعر أسيادها أن سيطرتهم على السلطة قد تصبح في خطر.

1964-1973

قبيل إنتهاء ولايته الرئاسية عام 1964، إعتبر الكثيرون ان بقاء الرئيس شهاب على رأس البلاد أفضل خيار لإستمرار الإستقرار ولإتمام المزيد من الإصلاحات. الاّ أن شهاب رفض رفضاَ قاطعاً تعديل الدستور للسماح له بالترشح لولاية ثانية، ودَعَم شارل حلو الذي إنتخب رئيساً. بعد فترة وجيزة، أبدى شهاب عدم رضاه عن حكم الرئيس حلو بسبب سوء تصرفه حيال الوجود العسكري الفلسطيني، ومناوراته السياسية لإعادة فتح الطريق أمام السياسيين الإقطاعيين التقليديين وإستعادة سيطرتهم على مواقع النفوذ.

توقّع الكثيرون أن يترشح شهاب لانتخابات العام 1970، لكنه، وفي بيان تاريخي ، أعلن قراره بعدم الترشح، وشرح أن تجربته في السلطة قد أقنعته أن شعب بلاده ليس جاهزاً ليتخلى عن العقلية الإقطاعية والإقتناع بأهمية بناء الدولة الحديثة. بدلاً من ذلك، إختار شهاب تأييد الياس سركيس، المقرّب جداً منه. خسر سركيس الانتخابات أمام الزعيم التقليدي سليمان فرنجيه بفارق صوت واحد. شكّلت هذه النتيجة نهاية عصر الشهابية وإصلاحاتها.

توفي فؤاد شهاب في منزله في جونيه في 25 نيسان 1973 إثر نوبة قلبية، عن عمر يناهز الواحد والسبعين.

Facebook